الخميس، 24 مارس 2011

مقتطفات

عجوز

بالأمس القريب كنت أستقبل عامى السابع عشر، اليوم أستقبل عامى الألف، بعد أن توغل الشيب فى غابات كانت بالأمس سوداء، واحتلت عقلى أفكارٌ شائخة، قتلت أحلامًا صبيانية، قذفت حقولا كانت بالأمس خضراء سفكت دماءَ قمرٍ كنتُ أنام على صدره فى ليال ظلماء. هل من عودة لعامى السابع عشر؟ هل سترحل تلك الأفكار المحتلة؟ هل ستخضر السماء؟ هل سيولد القمر من جديد؟ هل سأنتظر ألفَ عامًا آخرين حتى أرى؟ لن أنتظر

يأس 

 قال لي: كن شمعة تحترق لتنير للآخرين 
فقلت له: لا فائدة فالقوم عميان

كلام
  
كسّر كل الأقلام 
قطّع كل الورق 
لو فاكر هتهرب م الكلام 
طب وقلبك اللى بيتحرق ؟
وعقلك المطعون بحرف كلمة 
...مفعوصة
محبوسة 
منحوسة؟
اطلق كلامك حتى لو هيموت ويموّتك 
لو كل أُم خافت من لحظة ولادة 
ولا خافت على وليدها من قسوة الدنيا  
كان زمنا بنقرا الفاتحة على شىء اسمه الحياة ..

انتحار عاقل
 
قالى اقف فى وسط ميدان 
أو أدام سفارة لو طمعان 
ومتكلمش ولا تصرخ ولا تنادى 
وأدى جركن جاز 
وعارف طبعا هتعمل ايه ! 
...بس أوعى يضحكوا عليك 
ويحرموك م الموت زى ما قبله حرموك من الحياة 
وساعتها هيتولد البطل 
اللى قبله كانوا قتلينه فيك 
وهيقولوا ويعيدوا ده كان وكان وكان 
ويمكن حتى على اسمك يسموا ميدان 
أو يعلقوا صورتك على باب سفارة 
أصل الحكاية واضحة ومش محتاجة شطارة 
فى بلدنا ديه أما تكون 
قذر ويصقفولك  
أو ضحية ويعيطولك

دماء لازمة
 
لقد جنى العالم ما يكفيه من الحب .. أظن أن الوقت قد حان لتقديم الدماء الكافية كضريبة على ذلك الحب.. 


لغة جديدة
إن ما يحدث فى غزة من عدوان إسرائيلى لدليل قاطع على أن أصواتنا وصرخاتنا المدوية من أجل الحرية لم تخف اسرائيل .. أظن أن علينا أن نتكلم بلغة جديدة .. وحبذا لو استبعدنا اللسان من أداء هذه المهمة.

*مجموعة من المقتطفات كتبتها على الفيس بوك 
 

الثلاثاء، 8 مارس 2011

صور على الطريق

يأسرنى منظر تلك الأشعة المتمردة وهى تدفع عن جسدها أيدى الغيوم البيضاء لتسقط وتداعب وجه البحر، فيدفعها على عينى فأراه وقد جعلته كماسة رقراقة تزبن صدر المدينة. أراها حين أخرج من المكتبة وأسير على الشاطىء كعادتى، فأتعثر فى خيط حكاية، أعمل على تجميع بقية أطرافها، فتداخل وتتعقد، ثم تهرب فى حنايا قصة قرأتها أو عشتها، فيغلبنى اليأس من الحكايات، فأقع على حرف قصيدة، بلون البحر أخط حدودها، إلا أن لحنا دمويا -رغم صفائها- يطاردها فيتخللها فتتمزق فأمقتها وألقيها فى البحر، فهل سيحملها إلى البر الآخر أم سيعيدها إلى صدر المدينة ؟ لا يهم يكفى أنه سيحتضنها كما يحتضن المراكب فى قلبه الماسى المائع.

   أتنقل بين صورٍ غير عابىء بالوقت الذى يفر خلف السيارات الفارهة فى استباقها نحو المجهول. مرهقٌ، لو كنت كطائر النورس هذا لتركت للريح جناحى فيحملنى حتى يكل، ثم يتركنى لأفترش البحر  واستريح.
على صخرة أجد شابة وقفت متمايلة يأخذ خصرها إنحناءة شعلة نارية تطوقه ذراعيها فتزيده إشتعالا وإشعالا يأخذ الريح شعرها كما يأخذ طائر النورس، يتطاير فيتسرب منه عطرا فجا يشوش على رائحة البحر. يقف أمامها شاب من نظراته يبدو حبيبها ومن تصرفاته يبدو غبيا يلتقط لها صورة من أمامها مباشرة. لو انخفض بعدسة الكاميرا لأسفل قليلا وجعل الشمس خلف حبيبته، لو تراجع وجعل الخلفية موضع إندماج السماء بالأرض لحملت الصورة معانٍ تستحقها حبيبته. حملها من خصرها الملتهب لينزلها، فارتمت على صدره، فظهرت القلعة من الخلف وكأنها تحت قدميها. ياله من مشهد! ماذا لو التقطه ؟! تفكيرى فى هذا السؤال أضاع منى هذه الفرصة، فأكملت طريقى.

-ورد يا بيه !
قالتها وهى تعبث بوردة حمراء على خدى، لم تكن جميلة إطلاقا، لكن فى عينها صراخ مدوى لرغبة مسمومة. أجبتها شاكرا، لا أريد؛ فاستبدلت الوردة بإصبعها، لن استلسلم لن أكون صريع رغبة مسمومة، نعم تتملكنى رغبة ملحة لكن ليست لهذه المرأة الضالة. هل أصفعها لتفيق من سكر تلك الرغبة؟ هل أهرب منها؟ لن أصفعها، يكفيها ما تلقته من صفعات وركلات الحياه، ولن أهرب، فإن هربت أنا فمن لها إذا ؟! ذلك الأعمى الذى سيصب سُمه على رغبتها ؟؟ أم هارب آخر ؟؟
- هاخد وردة لكن اسمحيلى أمشى دلوقتى .. لو بتقفى هنا على طول هعدى عليكِ.
- أكل العيش يحب الخفيه يا بيه لو وقفنا هنا الورد هيدبلو .
-طب خدى الفلوس ديه وبلاش شغل النهاردة
- شكلك فهمتنا غلط يا محترم .. أحنا مش بنشحتوا .. سلام يابيه ..
- استنى بس ..
- ورد .. ورد .. احمر ياورد ..
وغاب صوتها وسط هدير الأمواج ...

ولم أكد أدير وجهى عن بائعة الورد حتى تلقفتنى بائعة المناديل. لم تتجاوز الخامسة على يسرها أخوها يعضعض علبة مناديل وفى يمناها علبة أخرى.
- اشترى منى والنبى
هيئتها مقلقة، تقترب تنزل أخاها على الأرض فيمر من بين قدمىّ ويعبث بهما، وهى تتشبث بأطراف معطفى تتمسح فيه كقطة .. أجزم أنها لا تريد مالا حتى لو طلبته بلسانها. حاجتها أكبر من المال، فهل كانت ضحية رغبة كرغبة بائعة الورد؟ أم ضحية غباء والدين غير مؤهلين لحمل عواقب حبهما؟ ومن المسئول عن هذا الغباء؟ إن لم أكن أنا أحد المسئولين فلا أحد إذا مسئول.

لكننى فعلا لا بد أن أمضى فى طريقى فأنا على موعد من أجله خرجت من المكتبة، أبعدت الطفلة فى رفق وأعطيتها ثمن المناديل وتركتهم لها. وذهبت مسرعا. لكن حتى إسراعى لن يوقفنى عن تأمل تلك الصور الملقاة على الطريق ولن يمنعنى من تأمل جمالها وقبحها.
أصحاب عاهات ملقون على الطريق يروجون لسعاتهم، يشترون الرأفة بدعوة مهرطقة. أصحاب رغبات مسمومة يسرقون من اللذة ما لا يحق لهم.
تتستر تحت نقاب فهل سيرحمها من العيون المحتقرة لها؟ هل سيوقف اللعنات التى تنزل على رأسها من أفواههم النجسة تلعن النقاب ومن يرتديه بكافة أنواعهم ؟ يجلس بجانبها غير عابىء لا بنظرات ولا بها، يتعامل معها كجسد، قطعة لحم فقط.

يمر شيخان ينفران من المنظر، ينهرانه، فيسخر منهما ويستمر فى إنتهاكه لقطعة اللحم التى بجواره، يغضبان فيضربانه. تصرخ فيحمل حجرا يقذفه تجاههما، يتفادانه، يذهب أحدهما فيطوقه ويستعد الآخر لصفعه، تعلو صرخاتها، يحتشد الناس، ماذا لو كان فى وسط المحتشدين أخٌ أو قريب أو حتى جار لها ؟!

تأخرت، جريت، وصلت، ها هى حبيبتى تنتظر، تحلق فى طائر النورس البعيد، كعادتها جميلة، لكن لا لهذا أحببتها، فأنا أحبها لأسباب غير موجودة ..
- بخ ! أتأخرت عليكِ ؟!
- خمس دقايق وكنت همشى.
- طب يلا نروّح عشان تعبان.
- نعم بقى أنا أستناك كل ده وأنت تتسكع فى الشوارع وفى الآخر تقولى تعبان ونروّح ؟! اتفضل روّح أنا مش مروّحة ..
ضايقنى إنفعالها، لكنى استحسنت الأمر، سأستغل الموقف وأذهب لمطعم الجمهورية. هى لا تحبه لأسباب يجتمع عليها المغفلون وهى أنه ليس نظيفًا .. فيا أيها الحمقى يا من لا يحبون الصدق هل تعلمون ما يجرى خلف الستائر فى المطاعم الفارهة. هذه ذقنى لو تعرفون فمطابخهم بها أسرار تتساوى خطورة مع الأسرار العسكرية.
أذوب مع الصلصة السارحة فى صوابع المعكرونة البشاميل مع قطع الكبدة والسدق، لا تظنه طعاما عاديا، فهو ليس كذلك. أفلا يقولون أن الأكل نفس ؟ فماذا لو كان الأكل تاريخ .. يبدو أن المذاق سيكون مختلفا.
أنظر إلى صورة مؤسس الجمهورية خلف الكاشير، أى رجل هذا ! أى ملامح هذه ؟! تجاعيد وجهه ولونه يذكرانى بتربة أرضنا السمراء، عمّته وشاربه يحملان معانٍ بعيدة، نظرته جادة لكن تعتريها نفحة طيبة لا تخفى، الشال على كتفه كالنيل على صدر مصر، ليس هذا فقط ما يجعل مذاق الطعام مميزا، فتدافع الناس ورائحتهم وأصواتهم المزعجة تعطى مذاقا فريدا
- 2 كبدة و 3 سدق .. واحد فول و 2 فلافل .. 2 مكرونة .. هنا ولا برة .. ألفهالك ! .. عندك حواوشى .. طب هات 2 كلاوى .. اتوصى .. مبتبعوش حلويات ..
تشبعت من مذاق الحياة .. هل من أمنية أخرى أطلبها بعد هذه الوجبة الملوكى ؟ لا تسخروا .. نعم ملوكى بل وأعظم .. فأين ذلك الملك الذى يأكل طعاما بمذاق الحياة؟! إنه يكتب إليكم بعد أن خرج من الجمهورية متوجها لشارع السبع بنات، منتشيا من رائحة الخمر المنسكب على جدران الحياة.
- هانوفيل يا اسطى
يستوقف مواصلة تحمله إلى بيته الآيل للسقوط، يجيبه سائق الميكروباص
- بيطاش
- بيطاش بيطاش هو حد واخد منها حاجة .
يهم بالصعود، تتعلق بيده يدٌ رقيقة تجذبه، فينزل، ينظر خلفه فيراها .. هى حبيبته، يفتح ذراعيه ليعانقها، فتدفعه فى صدره برفق وتضحك
- يلا نركب عشان نروّح انت مش كنت تعبان ؟
- لو تعبانة اتفضلى روّحى أنا مش مروّح. تحبى تروحى على فين باريس ولا لندن ولا نيويورك ولا فينا؟
- أنا مكانى هنا، واندفعت ملقية برأسها فوق كتفه، التصقا، فهل يصبحان قلبًا واحدًا، حلمًا واحدًا، ألمًا واحدًا.
إحم أصبحا معًا فضيحة واحدة
- اللى أداك يدينا يا سيدى .. يا عم ما احنا تعبانين زيك .. أصل لو أهلك ربوكى مكنتيش تعملى كده .. هى ديه الثورة اللى علمتكم قلة الأدب .. أنت معندكش بنات تخاف يحصل فيهم كده .. هى البلد ولعت من شويه .... إلخ
- أنا بقول نروح أحسن ؟
- أحسن برضه ..

 محمود يوسف
7/3/201

الأربعاء، 2 مارس 2011

النقد الأدبى: أصوله ومناهجه

النقد الأدبي: أصوله ومناهجهالنقد الأدبي: أصوله ومناهجه by سيد قطب

My rating: 4 of 5 stars


إنه لمن المحزن ألا يأخذ بحثٌ كهذا حقه من الإجلال والتعظيم وأن يُعدم كما أُعدم صاحبه؛ فأنا أراه قد طرق فى عالم الأدب طريقا مهجورًا، وما الهجر هذا بقصر فى الطريق ولكن القصر كان من إناس ذلك العصر الذين لا يطلبون من الفن إلا لذته الزائفة ناسين أن الفن وسيلة وليس غاية، وأن المتعة ما هى إلا سمة من سماته، فأراهم يتحولون إلى الشعر لما فيه من نغم وخلافه من جماليات، ولا أنقص من قدر الشعر فالشعر أرقى فنون الأدب لكنه ليس أهمها وأجدهم يلجئون إلى القصة لما فيها من حَبكٍ درامى وصراع وخلافه، تاركين من فنون الأدب ما هو أهم وأعظم. وأجد أن البحث من أهم المجالات - حاليا- التى تحتاج إلى الأدب لتضفى على مادة البحث لونًا من الجمال ينفك به الجمود المخيم على مادته العلمية، ويحتاج إليها الأدب ليرتقى بما تحتويه من أفكار. وبتلك الإمكانية التى يمتلكها الأدب فى التأثير فى النفس والفكر تعود الصورة لوضعيتها الصحيحة فالفن -بما فيه الأدب- وسيلة، ترتقى بنا ونرتقى بها، تحوى أفكارنا؛ فتحتويها نفوسنا.



لقد قوّم ذلك البحث نظرتى إلى الفن عمومًا والأدب خصوصًا؛ فهو يُعتبر بمثابة مرحلة إنتقالية فى حياة القارىء المبتدئ فى مجال الأدب، وبمثابة مقدمة فى مجال النقد. ولا أقصد بالنقد، ذلك النقد الإحترافى الذى يُدعى صاحبه ناقدًا، إنما النقد الواجب على كل قارىء حتى يُقال أنه قارىء، فالكتاب يتناول موضوع بدائى، فيعرض فى جزئه الأول لماهية العمل الأدبى فى جملة "التعبير عن تجربة شعورية فى صورة موحية" ثم يبسط تلك الجملة فى فصول يتناول فيها تعريف القيمة الموضوعية بجانبيها الشعوري والتعبيرى ثم ينتقل بترتيب أنيق للمواضيع إلى مناقشة تلك القيم فى كل فن من فنون الأدب عارضًا للوسيلة التى يتطلبها كل نوع حتى ينضج ويصل لغايته الأساسية التى يؤثر بها فى القراء.


ثم ينتقل بعد ذلك فيبدع فصلا بعنوان قواعد النقد الأدبى بين الفلسفة والعلم ويعتبر ذلك الفصل مقدمة لفصل مناهج النقد الأدبى الذى يليه، وقد تناول فيه بعض الأراء الفلسفية والعلمية التى تعرض للأدب بما فيها نظرة أفلاطون وأرسطو للفن عمومًا والشعر خصوصًا لكونه مادة الأدب فى ذلك العصر، ثم يتناول الربط بين الفنون بمختلف أشكالها حتى يصل إلى نتيجة أن معاملة الفنون لايمكن أن تكون واحدة يجمعها مصطلح "قواعد النقد الفنى" وإنما لكل فن خصائصه التى تميزه لذا فهو بحاجة لقواعد النقد الخاصة به.

حتى يصل إلى الفصل الذى من أجله كان البحث وهو "مناهج النقد الأدبى" فيعرض لأربع مناهج هى:

1- المنهج الفنى، وفى تناوله يعرض تعريفًا وتأصيلا تاريخيًا بالأمثلة المقتبسة من كتب العرب القديمة ثم يعرض لأمثلة من العصر الحديث.

2- المنهج التاريخى، وقد تناوله بنفس الطريق التى سلكها فى المنهج الفنى.

3- المنهج النفسى، كسابقيه، إلا أنه أضاف إليه نماذج من تحليلات فرويد وغيره من علماء النفس فى تحليلهم لبعض الأعمال الأدبية.

4- المنهج المتكامل، وهو المنهج الذى آثره فهو يجمع بين جميع المناهج .

ورغم كل ما يميز البحث من بساطة لغوية وتناسق وترتيب ورؤية موضوعية جعلته يضع بعض الأدباء أصحاب مذاهب تتنافى مع مذهبه الأخلاقى فى قمة الهرم الأدبى، إلا أن بعض المقاطع التى برزت فى البحث قد جعلت من تلك السمات سمات تقليدية

فها هو يعرض لأخطر مخاطر "المنهج التاريخى" التى يتغنى بها بعض كُتّاب العصر وكأنهم مكتشفونها

"ومن أخطر مخاطر " المنهج التاريخى" الإستقراء الناقص والأحكام الجازمة، والتعميم العلمى.

فالإستقراء الناقص يؤدى بنا دائما إلى خطأ فى الحكم. ومن الأستقراء الناقص الإعتماد على الحوادث البارزة والظواهر الفذة التى لا تمثل سير الحياة الطبيعى. فألمع الحوادث وأبرز الظواهر ليست أكثر دلالة من الحوادث العامة والظواهر الصغيرة. وما نراه نحن أكثر دلالة قد لا يكون كذلك فى ذاته، بل ربما انجذابنا الخاص للإعجاب به أو الزراية عليه هو علة ما نرى فيه من دلالة بارزة! والأسلم أن نجمع أقصى ما نستطيع الحصول عليه من الظواهر والدلائل: حادثة أو نصا أو مستندا .. وألا نصل أحكامنا إلا بعد الإنتهاء من جميع الأسانيد، فذلك أضمن وأكفل بالصواب." أليس هذا ما يتغنى به شخصٌ يُدعى يوسف زيدان ؟! ماعلينا ..

تعالى لنعرف بماذا يتصف العلماء، يذكر سيد قطب فى أمثلة على خطر الأستقراء الناقص فيقول فى أحداهم:
"اعتمدت أنا شخصيا فى إصدار حكم على شعور الشاعر العربى بالطبيعة فى كتاب "كتب وشخصيات" (مثال رقم 2 فى المنهج الفنى) على استقراء المشهور من الشعر العربى، فهو حكم قابل للتخطئة، وأنا الآن أحاول أن أعيد الدراسة لاستيعاب المشهور وغير المشهور من هذا الشعر، لوزن ذلك الحكم الذى أصدرته متعجلاً!" هل من سمة أجلّ من اعتراف الإنسان بخطئة؟! تلك السمة التى تناساها الكثير من الكُتاب، ظنًا منهم أن شهرتهم التى اكتسبوها جعلتهم إلاهيين بمنأى عن الخطأ.

وانظر إلى تلك النظرة التى نظرها سيد قطب للأوضاع فى مصر قبل ثورة 23 يوليو 52 :

"ونستطيع من دراسة الأدب فى مصر فى العصر الحديث أن نلمح أنها تجتاز فترة اضطراب وبحث عن اتجاه لم تستقر عليه الأفكار، حينما نرى فيه عدة اتجاهات إلى أقصى اليمين وإلى أقصى اليسار. بعضهم يفتش عن المثل فى أطواء تاريخنا القديم فى عصر النهضة الإسلامية، وبعضهم يتمجد بالفرعونية، وبعضهم يتجه إلى أوربا وأمريكا، وبعضهم يتجه إلى روسيا؛ كما أن بعضهم ينطوى على نفسه عازفًا عن المجتمع وما فيه .. هى حالة تموج واضطراب . قد تتمخض عن انقلاب وقد تتمخض عن استقرار " ألم يعقب ذلك قيام ثورة 23 يوليو 52 ؟! أوليست تلك هى حالتنا قبل قيام ثورة 25 يناير ؟!

وحتى لا أطيل فكل فقرة فى الكتاب تحتاج إلى نظر وتحليل، أذكر سمة أخيرة يفتقدها كثير من النقاد سارقو الأحلام، الرافضون لمبدأ التجديد، وهى سمة المرونة "فالمناهج بصفة عامة فى النقد تصلح وتفيد حين تتخذ منارات ومعالم، ولكنها تفسد وتضر إذا جعلت قيودًا وحدودًا. شأنها فى هذا شأن المدارس فى الأدب ذاته فكل قالب محدود هو قيد للأبداع، وقد يصنع القالب لنضبط به النماذج المصنوعة، لا تصب فيه النماذج وتصاغ"

هذا كان عرضا موجزا لكتاب النقد الأدبى أصوله ومناهجه لصاحبه الشهيد على يد الديكتاتورية الناصرية التى لم يرح ضحيتها سيد قطب فقط بل راحت معه أفكار ثورية وإبداعات كان سيبدعها هو وغيره لولا ضيق أفق وبهيمية القادة الذين حرّموا الرأى والفكر ما داما غير أرائهم وفكرهم.

محمود يوسف
1\3\2011

View all my reviews

الأحد، 20 فبراير 2011

كوم زبالة

إن عدم إعجابى بشىء ما لا يعنى إطلاقًا رداءة ذلك الشىء، فقد يبدو جميلا لكنه لا يعجبنى. والسبب هو عجز ذلك الشىء عن كونه دنياويًا، يحمل بين طياته الجمالية قطرات من القبح، ويحوى بين الضحكات إنكسارات من الحزن وتُعزف فيه سيمفونية اللذة والألم. 
وقد يعجب الكثيرون من إعجابى بأشياء يصفونها جهلا بالقذرة إلا أن تلك القذارة هى ثمنٌ لا بد من دفعه، حين تكون القيمة الجمالية للشىء أقيم من أن يكون هكذا مجرد جميل فعلى سبيل المثال يرى الناس فى أكوام الزبالة قمة القذارة، وأنا أرى أن ما القذارة إلا الثمن المقدم، يُدفع بديل عن الأموال، فما أن تدفعه، حتى يتراءى لك العالم الجمالى الذى غفلته لعدم قدرتك على تحمل الثمن، فإذا بصورة من الألوان العبثية المتداخلة المتناقضة الفوضوية، أى فنان يملك القدرة والحرفية على خلق تلك الفوضوى؟ وأى مصمم رقصات أو معارك قادر على إخراج حركات حشود الذباب بذلك النظام الفوضوى من كر وفر متفادية السقوط ضحية فى معركة بين كلب وقط أو قط وقط أو قط وفأر؟  وأين علماء الأجتماع والفلاسفة ليروا نموذج لطبقات المجتمع فهاهم السادة من الكلاب والقطط والفئران يتصارعون من أجل تقسيم التركة التى لم يكن لهم حق فيها من الأساس فإنما هى هبة من البشر، ورغم ذلك فهم يتصارعون، وتسقط ضحايا ليس لها ذنب من الحشرات المسكينة والبكتريا البريئة، وأين الأديب لينسج ملحمته، مجموعة من البكتريا بقيادة حشرة، تسببوا فى مصرع كلب، يجمع الأديب خيوط ملحمته يصعد بالحشرة إلى عنان السماء الحشرة تغنى يا أرض اتهدى ما عليك أدى، لكل متجبر نهاية لو كانت اكتفت بانتصارها على الكلب ورحلت لتعيش حياتها الطبيعية حشرة كما الحشرات لما لاقت ذلك المصير، فقد اشتدت رائحة الكلب الميت، فقرر أهل الحى حرق كوم الزبالة.. وانتهت الحشرة ..
وغيرها من الحكايات والصور متخبية فى كوم زبالة.
ومابين حكاية وحكاية ومابين صورة وصورة تتلم الدنيا فى كوم زبالة.





محمود يوسف 
20\2\2011
مستوحاة من تراكم أكوام الزبالة فى الفترة الماضية .. محاولة لتغير المفهوم الجمالى .. فالجمال فى العين التى ترى لا المنظر المرئى ..

الخميس، 17 فبراير 2011

الواحدة والربع بعد منتصف الليل


الواحدة والربع بعد منتصف الليل ثملت عقارب الساعة، ترنحت مترددة، أتمضى فى طريقها غير عابئة بذلك المجهول الذى ينتظرها أم تعود لعل بعودتها تنكشف لها صور من ذلك المجهول، لا أدرى حينها أمضت فى طريقها أم عادت.


صوت لم أتمكن من تحديد ملامحه داعب أذنى حينها، حاولت تحديد مصدره لم أتمكن فقد كان منبعث من جهتين أحدهما هى الجهة ذات الشرفة التى أستقبل  فيها القمر، وأجلس فى حفلات السمر الليلية مع النجوم وتتهمنى أمى بالجنون. منذ سنوات كنت أتحدث من خلالها إلى البحر وأودّع الشمس، كنت صغيرا أبكى لرحيلها، ظننتها تغرق فى ماء البحر وتنطفىء وأن الشمس التى تشرق فى اليوم التالى هى أختها قد ولدتها الأرض الأم، صغيرة، رقيقة، فى بدايتها، تحرقها الساعات فتحرقنا، رغم أشعتها اللاسعة التى تجبرنى على إغماض عينى، إلا إننى كنت أحمل من الإشفاق عليها ما ينسينى غضبى منها، فكلها ساعات وستغرق، كم هى مسكينة تلك الشموس تستسلم بهدوء لسحر البحر، لماذا لا تقاوم البحر؟ لماذا لم تتعلم السباحة مثلنا نحن البشر؟ سألت أمى عن البحر فقالت كلام يخيفنى أما أبى فلا يتكلم، تعلمت السباحة، لعله كان حلما أن أنقذ أحد الشموس يوما ما .. أعتبرتها هى هديتى للأرض الأم، فقد قالت أمى أن الله خلقنا من الأرض. والشمس تخرج من الأرض أى أن الشمس أختى .. قالت أمى لا..  الشمس لا تخرج من الأرض، لم أصدقها فقد كانت تخرج كل يوم أمام عينى من الأرض عند الجهة الأخرى لغرفتى .. لا أعرف لماذا تحولت أسطورة البحر إلى بئر يقبع بعيدا عند موضع الغروب يسكن فيه تنين ضخم يأكل الشموس .. كدت أكره تلك الشموس على غبائها لماذا لا تغير طريقها لماذا تستسلم لذلك التنين فيأكلها كل يوم ؟ أأقول للأرض أن تعلم بناتها ألا يذهبن عند التنين؟ فعلت قلت لها، زجرتنى أمى

-ماذا تفعل يا مجنون؟  الأرض لا تسمع ولا تتكلم

- أنت لم تكلميها يا أمى حتى ترد عليكِ، أما فتتحدثت إليها وأجابتنى .


فى فترة لا أستطيع تحديدها ولا أعرف كيف مضت إلا أننى لا أستطيع أن أقول إلا أنها الفترة الأقبح فى حياتى، تلك الفترة التى طُمست فيها كل الأساطير والخيالات وكأننى كنت فيها نائما فاستيقظت على إنتهاكٍ لم استطع حتى أن أرفضه، فقد أقام هاتكو عرض الطبيعة مبانٍ حالت بينى وبين البحر والشمس، حرمتنى حق البكاء لأجل الشمس المسلوبة، حرمتنى من متابعة لحظة إنبثاق الشموس من رحم الأرض، حرمتنى من حلمى بتحرير الشموس من سحر البحر، من حلمى بقتل ذلك التنين الشرير الذى يأكل الشموس.


خرجت إلى الشرفة لأرى مصدر الصوت، إلا أن خروجى إلى الشرفة يأجج فىّ حرارة تلك الذكريات، رأيت السماء تمطر، كان الصوت صوت قبلات حبات المطر لجدران البيت صوت إندماج السماء بالأرض، صوت التكامل.. إن الحديث عن سعادتى يستحيل التعبير عنه فلا أحد من قبل كانت ميتا ثم عادت إليه الروح، ولا حتى أنا إلا أن روحى ما هى إلا تلك الأحلام والأساطير والخيالات وها هى عادت إلى تحملها حبات المطر.دخلت  أرتدي معطفا ثقيل، ثم صففت شعرى وحملت كتابا وقلما وأوراق ومشغل الموسيقى وهاتفى الخلوى، ثم عدت أحتضن السماء من جديد ها هو المطر يتساقط عاريًا أمام المصابيح، كنت أظن أن السماء ماهى إلا بحرًا كبير وهى من أنجبت  البحر، وعندما تمطر، فإن السماء تشتاق إلى ابنها البحر، فتقرر النزول إليه، فتتساقط أجزاء من السماء على هيئة أمطار، ولولا أن الله منعها لأكملت إسقاط باقى أجزائها لتعانق  ابنها. جلست على مقعد خشبى أملت ظهره على جدار الشرفة وأرخيت عنقى إلى الخلف، أدرت مشغل الموسيقى على أغنية المفضلة  Need You Now  ل Lady Antebellum  ربما لأننى فعلا كنت ثملًا لكن لا بفعل الخمر إنما هى النشوة التى تملأ النفس فى حال السعادة المفرطة لكن الأحاسيس البشرية ليست بهذه البساطة حتى تتلخص فى إحساسٍ واحد فقد كان يملؤنى إحساسٌ بالوحدة، إحساس بالحاجة إلى تلك التى عوضتنى عن شموسى المسلوبة، خصوصا أن المطر يحمل لنا الكثير من الذكريات، أذكر لها أسطورتها بشأن البرق

- تعرف أن البرق مكنش بيعمى قبل كده ؟

- معرفش طول عمرهم  يقولوا لنا لا تبص فى السما وقت البرق لا تتعمى ..

- ههههههه تعرف أنى لازم أبص فى السما وقت البرق ..

- أنتِ مجنونة أوعى تعملى كده تانى ..

- هاعمل بس أنت عارف ليه الناس بيتعموا ؟؟

- ليه ؟

- لأن أجمل حاجة فى الدنيا ممكن تشوفها هى البرق .. بيبين عروق السما البيضا .. ويخلى السما تنزف مطر .. عشان كده اللى يشوفه مينفعش يشوف حاجة بعد كده ..

- طب متبوصيش للبرق تانى ..

- أفكر .

هذه هى روحها التى تعرف أن المغامرة إذا لم تغلفها المخاطر، فهى لا تعدو كونها لعبة..  فحياتها رغم أنها لا تمضى منها لحظة إلا بضحكة تهتز لها جدران أذنى، لا تعرف فيها إلا الجد، حتى فى قمة الهزل يكسو الجد ملامحه.


نغمات الأغنية تتصاعد إلى رأسى تتسرب إلى قلبى، ألم نكن - أنا وهى - نسمعها عند الواحدة والربع كل يوم ثم نتبعها بمكالمة نفجر فيها كل الأحلام والأمنيات ؟ كان شيئًا وانتهى، أما الآن فأنت أكبر من تلك الحماقات. عجيب أمر الإنسان ينشد الحرية، يكسر القيود الخارجية وفى داخله قيود لا تتكسر .. ألا يستطيع أن يحرر نفسه من عواطفه، وإن تحرر منها فهل نستطيع أن نطلق عليه لفظة  إنسان؟؟ حينها سيكون أله مجرد أله يطلق عليها مجازًا إنسان. لن أكون أله، لكن لن أرضخ لتلك العواطف. سأترك الأمر كله، وها هى الأغنية تنتهى.


إنها رنة هاتفى .. هى .. ماذا تريد ألم تقل الأيام كلمتها بشأن علاقتنا..

- آلو

- أزيك ؟

- فى حاجة ؟؟

- الدنيا بتمطر حبيت أكلمك بعد ما سمعت الأغنية .

- والمطلوب ؟

- ولا حاجة .. خلاص أنا سمعت صوتك . عايز حاجة ؟

- شكرا مع السلامة .


لا أعرف لماذا عاملتها بتلك القسوة، لكنها هى الأخرى تقسو علىّ، وأى قسوة تلك التى تخرج من صدرها مع رنة صوتها لتتسلل إلى قلبى عبر أذنى، فإذا به يضطرب ويشتعل شوقًا للأيام التى قضينها تحت المطر ووقت الغروب أمام البحر.

 تلقيت رسالة منها لا أعرف سببها أهى طعنة أخرى ترسلها إلى ..هى التى تعرف كيف تعذبنى ..

 "kissin' u softly " love u good night mahmoud N sweet dreams "  مسحتها فى الحال لا أريد ذكريات أخرى. هدأت الأمطار تدريجيا فسجلت قصتى تلك، ورحت أبحث عن ساعتى، مازالت العقارب ثملة عند الواحدة والربع أتمضى فى طريقها، أم تعود؟ لا أدرى سأشترى بطارية جديدة وأرى ..

الاثنين، 14 فبراير 2011

سخافة يدعونها حبًا


عجيب أمر هؤلاء الناس يحتفلون بيوم للحب، لن أتطرق لتاريخ هذا اليوم، فالأساطير متعددة وسخيفة ولا تعنى لنا شىء على الإطلاق، والرد العام عادة عليها يكون نحن لا نحتفل من أجل هذا إنما احتفالنا من أجل الحب.. وهنا تتبلور المأساة أن يصبح للحب يوما .. فاليوم أحبك أكثر وغدا ربما سأحبك أقل، اليوم سأعبر لك عن حبى وغدا لن يصبح ذلك مهمًا فقد أحتفلنا بالأمس .. يالها من طعنة يوجهها المحبون أو فلنقل مدعى الحب إلى الحب .. ذلك الإحساس الذى يحول الأيام كلها أعياد وتصبح الأصوات والكلمات حتى سخيفها ورديئها أغنيات و وتحال به الدنيا كلها إلى جنة، وقد يعتبر البعض أن ما يلاقوه من صعاب وعثرات فى الحب هو النار، وأقول لهم هل كان خلق الجنة يعنى شيئا إذا لم تُخلق النار؟ فاللذة والألم ظاهرهما متناقضان لكنهما متلازمان. بيدك أنت أن تجعل من الألم لذة وأن تبقى على اللذة حتى لا تحال إلى ألم ولن تقدر على ذلك بغير الحب. فالحب كالعصا السحرية تضرب هنا فيصير ألماظًا وذهبًا.وإن لم يكن حقيقيًا فيكفيك أنك تراه كذلك ولا شأن لك بنظرات من حولك. وقد تضرب هناك فتصير نارا تحرقك أنت ومن تحب وربما مع إضطرام النار ينطفىء الحب فيصير هشيما تذروه الرياح إلى صندوق الذكريات العتيق. هكذا الحب قد يصنع منك عنترا يصنع المعجزات أو قيسا مجنونًا يبكى على ليلاه. إن كنت حقا محبا فلست بحاجة لعيد عم فالنتين. فالحب لا أيام له الحب عمر لا يتجزأ، طريق بلا محطات إستراحة. فانطلق ما شاء الله لك.

الأمر الأخر المضحك المبكى هو اللون الأحمر لا أعرف علاقة الأحمر بالحب ربما لأن اللون الأحمر يعطى إحساسا بالدفء؟؟ ربما لأنه يدل على الإشتياق والإحتراق؟؟ وهل الحب ينحصر فى دفءٍ وإشتياق؟؟ هل الحب فقط دفءٌ واحتراق؟؟ إن كان كذلك فما ذلك الإحساس الذى يتملكنى حين أفترش الرمال وألتحف السماء وتمتزج الألوان ما بين الأزرق والأبيض والأصفر والأحمر وأرى وجه حبيبة لا أعرفها لكننى أحسها ويغمرنى حبها فى رائحة تحملها إلى نسمات البحر، فى دفء شعاع يداعب عينىّ، فى  برد رمال تلامس أطرافى، فى همسات الموج المتتابعة فى لحنها الأبدى. كل هذه الألوان والأصوات والحركات كيف تختزل فى لون واحد؟؟ لا أدرى إذا عن ماذا يعبرون بلونهم الأحمر أعن الحب؟ لا أظن.. إنها سخافة يدعونها حبًا. 



محمود يوسف 
14\2\2011

الأحد، 13 فبراير 2011

حيّا الله شارع النبى دنيال

حيّا الله شارع النبى دنيال
شارع الكاردو دي كومانوس شارع الوحدة الوطنية

من فترة لم أكن أعرف سر حبى الشديد لهذا الشارع كنت عادة أرجعه لعدة أسباب متجمعة منها أن الشارع يُعتبر مثالا للوحدة الوطنية على أرض مصر وأطلق عليه شارع الوحدة الوطنية نظرا لوجود مسجد النبى دنيال الذى يعتبر من أقدم مساجد مصر، والكنيسة المرقسية أقدم كنيسة في مصر وأفريقيا التي بناها القديس مرقس في القرن الأول الميلادي. ومعبد النبي دانيال اليهودى الذى يحتوي علي مكتبة تحوي نحو 50 نسخة قديمة من التوراة وكتب أخرى يعود تاريخ بعضها إلي القرن الخامس عشر، وهو أول معبد يهودى يقام في إفريقيا والمعبد الوحيد الذي بقي في مصر حتى الآن. وقبل الثورة كان المعبد من الأماكن المحظورة، وإن حاولت الإقتراب لمجرد معرفة تاريخ المعبد أو أى معلومة عنه لكن النتيجة كانت " أجرى يا حبيبى ألعب بعيد" وإن لم تكن هيئتى هيئة محترم لكانت العاقبة وخيمة، الإضرار بأمن مصر القومى وربما تهمة التعدى على طاقية السائح اليهودى السحرية. لكن أظن أن الأيام المقبلة سيكون الوضع مختلف.
الشارع يحمل مزيجا تاريخيا من الحكايات والأساطير، الأكثر منها تشبثا بذهنى هى تلك القصة التى حكاها لى جدى عن الفتاة التى ابتلعتها الأرض أثناء البحث عن مقبرة الإسكندر وكانت صبية جميلة كالبدر اختتفها المجهول من حبيبها، هكذا قال لكن شهادة جدى ليست مؤكدة فهى عادة نصفها سخرية، فقد سبق أن حكى لى عن ثورة المعيز الذين ثاروا على الفلاحين وخرجوا على شريط القطار وأكلوه. وكانت الحرب حامية بين المعيز والبشر تختفى المعيز فى النهار ويخرجوا فى الليل يأكلون من خيرات البلد. لكن رواية النبى دنيال التى حكاها لى جدى مختلفة وقد تأكدت من مصادر أخرى أن بالفعل كان هناك إعمال حفر واختفت فتاه ويقال أن مياه المجارى حملتها إلى البحر لذلك لم يعثروا عليها .. وروايات أخرى قالت بأن المنطقة ملبوسة عفاريت والعياذ بالله وروايات أخرى تقول إنها لعنة الفراعنة {لعنة الفراعنة إيه اللى جابها عند الإسكندر} بدى سؤالى لصاحب الرواية غبيًا وكانت إجابته مقنعة بعض الشىء " هو الإسكندر مش لما جه مصر ادولوا لقب ابن الإله أمون، أهو عمك أمون عملوا تعويذة عشان محدش يسرق مقبرته " وروايات عن مسجد النبى دنيال "أن جنود عمرو ابن العاص عند الفتح الإسلامى عثروا على مكان وعليه أقفال حديد محاط بحوض من الرخام الأخضر.وعند فتحه وجدوا هيكل لرجل ليس على هيئة أهل العصر، فأنفه طويل ويده طويلة وعليه أكفان مرصعة بالذهب، فأبلغوا عمر بن الخطاب بذلك فسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقال له: هذا نبي الله دانيال. فأمر عمر بتحصين قبره حتى لا يمسه اللصوص." ورواية أخرى تنفي السابقة وتقول أن الضريح الموجود بالمسجد على عمق حوالي خمسة أمتار هو للشيخ محمد دانيال الموصلي وهو رجل صالح جاء إلى الإسكندرية في نهاية القرن الثامن الهجري وقام بتدريس أصول الدين وعلم الفرائض على النهج الشافعي وظل بها حتى وفاته سنة 810 هـ ودفن بالمسجد، الذي يعود تاريخ بناؤه الى القرن الثاني عشر الهجري.
فى هذا الشارع مر ميشال تورنيه وبرنارد نويل وجمال الغيطاني ومحمد سلماوي وادوارد خراط وصنع الله ابراهيم وعلاء الأسواني والأهم نجيب محفوظ فى زياراته الصيفية للإسكندرية .
فى هذا الشارع رأيت ما يشبه برج بيزا المائل، العمارة الشهيرة التى انزلقت على غفلة ومالت وقد صدر قرار بغلق شارع النبى دنيال حتى يُنفذ قرار الإزالة وكنت أجد لذة عجيبة وأنا أقف أمام العمارة المائلة. وخرجت كثير من الروايات حول موضوع العمارة .

إن بدت كل هذه الأسباب وغيرها لا أجد الوقت لذكرهم تكفى لأن أتعلق بهذا الشارع العريق إلا أننى ما لهذا كتبت.

فاليوم واليوم فقط عرفت سبب عشقى لهذا الشارع. ولن يعرف قيمة هذا السبب إلا من جرب الكيف ويعرف حكمة أن الكيف بيذل، ولا أذاقك الله إدمان الكتب، ليست الكتب ككلمات أو كأفكار أو حتى حيوات. إنما الكتب كأرواح الكتب كأعمار وتواريخ الكتب كأجساد، لا أتخيل أن يوما يمر ولا أجد كتابا يحتضنى وأحتضنه، قد أبدوا مخبولا، لكن الكيف بيذل، لن يكفينى كتاب واحد، بل إن كتابا واحدا هو العذاب كله، والكتاب بلا تاريخ كالورقة البيضاء بلا ملامح لن أستمتع إلا ببياضها. لذلك وجدت فى شارع النبى دنيال ضالتى، وكأنه العين التى تفجرت لى فى صحراء الظمأ، لم أتوقف عن النهل من مائها، لكن الشربة الأخيرة كانت الأروع والأمتع فى جودتها وقيمتها، ولا تقول لى سور إزبكية ولا معرض كتاب ولا معرض بطيخ، بعد الصفقة الأخيرة فى شارع النبى دنيال ملاذ مدمنى الكتب وأصحاب الكيف لا أظننى فى يوم سأقف أمام المكتبات ذات البتريينات اللامعة أنظر إليها فى عرض شمة.
وكنوع من الدعايا لبائعى الكتب فى النبى الدنيال ورغبة منى فى ضرب سوق المكتبات ذات البترينات اللامعة وكنوع من الفخر بالإنجاز والتعبير عن سعادتى العارمة بصفقة اليوم.
الصفقة كانت مقابل 36 جنيه .. 36 جنيه لا تكفى ثمن رواية ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور لكن الرواية كانت ضمن 18 كتاب وهم :
1 - ثلاثية غرناطة .. رضوى عاشور
2- الأرض .. عبد الرحمن الشرقاوى
3- إنى راحلة .. يوسف السباعى
4 - شخصية مصر .. جمال حمدان
5 - نجوم فى عز الظهر .. يوسف معاطى
6 - أوراق 1954 .. جميل عطية إبراهيم
7 - الشمعة والدهليز .. الطاهر وطار
8 - جسد أول .. نبيل نعوم
9 - شبح كانترفيل .. أوسكار ويلد ترجمة لويس عوض
10- قصة الزواج .. ليوتولستوى
11- النمل الأبيض .. عبد الوهاب الأسوانى
12 - أحاديث جدتى .. د.سهير القلماوى
13 - خمرية .. أمين العيوطى
14 - ساعة مغرب .. محمد البساطى
15 - كليوبترا ملكة مصرية أم عاهرة إغريقية .. مايكل جرانت

أما الكتب الثلاث الأكثر أهمية بالنسبة لى
1- مذابح الإخوان فى سجون ناصر .
وعلى الجانب الآخر :
2 - محكمة الشعب الجزء السادس يحتوى على جزء من محاكمة الشيخ الهضيبى. وبقية الأجزاء فى طريقها إلى.
وكتاب آخر يبدو نادرا
3 - الشاعر عبد الحميد الديب حياته وفنه للدكتور عبد الرحمن عثمان. وما يجعل كتاب كهذا نادرا من وجهة نظرى أن المعلومات المتوافرة على النت عن الشاعر عبد الحميد الديب فقيرة جدا ومعظمها وإن لم يكن جميعها من كتاب الأستاذ محمد رضوان بعنوان شاعر البؤس عبد الحميد الديب..
والكتب بحالة جيدة جدا باستثناء اثنين.
كل هذه الثروة ب 36 جنيه وبدون فصال. حيّا الله شارع النبى دنيال.




محمود يوسف
بتاريخ النهاردة

المراجع :
أنا وجدى والناس اللى فى الشارع .
مقال فى جريدة الشرق الأوسط بتاريخ الاحـد 18 محـرم 1428 هـ 4 فبراير 2007 العدد 10295 .
مقال الدستور 19 1 2010 عن قرار غلق شارع النبى دنيال .