‏إظهار الرسائل ذات التسميات رومانسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رومانسية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 17 فبراير 2011

الواحدة والربع بعد منتصف الليل


الواحدة والربع بعد منتصف الليل ثملت عقارب الساعة، ترنحت مترددة، أتمضى فى طريقها غير عابئة بذلك المجهول الذى ينتظرها أم تعود لعل بعودتها تنكشف لها صور من ذلك المجهول، لا أدرى حينها أمضت فى طريقها أم عادت.


صوت لم أتمكن من تحديد ملامحه داعب أذنى حينها، حاولت تحديد مصدره لم أتمكن فقد كان منبعث من جهتين أحدهما هى الجهة ذات الشرفة التى أستقبل  فيها القمر، وأجلس فى حفلات السمر الليلية مع النجوم وتتهمنى أمى بالجنون. منذ سنوات كنت أتحدث من خلالها إلى البحر وأودّع الشمس، كنت صغيرا أبكى لرحيلها، ظننتها تغرق فى ماء البحر وتنطفىء وأن الشمس التى تشرق فى اليوم التالى هى أختها قد ولدتها الأرض الأم، صغيرة، رقيقة، فى بدايتها، تحرقها الساعات فتحرقنا، رغم أشعتها اللاسعة التى تجبرنى على إغماض عينى، إلا إننى كنت أحمل من الإشفاق عليها ما ينسينى غضبى منها، فكلها ساعات وستغرق، كم هى مسكينة تلك الشموس تستسلم بهدوء لسحر البحر، لماذا لا تقاوم البحر؟ لماذا لم تتعلم السباحة مثلنا نحن البشر؟ سألت أمى عن البحر فقالت كلام يخيفنى أما أبى فلا يتكلم، تعلمت السباحة، لعله كان حلما أن أنقذ أحد الشموس يوما ما .. أعتبرتها هى هديتى للأرض الأم، فقد قالت أمى أن الله خلقنا من الأرض. والشمس تخرج من الأرض أى أن الشمس أختى .. قالت أمى لا..  الشمس لا تخرج من الأرض، لم أصدقها فقد كانت تخرج كل يوم أمام عينى من الأرض عند الجهة الأخرى لغرفتى .. لا أعرف لماذا تحولت أسطورة البحر إلى بئر يقبع بعيدا عند موضع الغروب يسكن فيه تنين ضخم يأكل الشموس .. كدت أكره تلك الشموس على غبائها لماذا لا تغير طريقها لماذا تستسلم لذلك التنين فيأكلها كل يوم ؟ أأقول للأرض أن تعلم بناتها ألا يذهبن عند التنين؟ فعلت قلت لها، زجرتنى أمى

-ماذا تفعل يا مجنون؟  الأرض لا تسمع ولا تتكلم

- أنت لم تكلميها يا أمى حتى ترد عليكِ، أما فتتحدثت إليها وأجابتنى .


فى فترة لا أستطيع تحديدها ولا أعرف كيف مضت إلا أننى لا أستطيع أن أقول إلا أنها الفترة الأقبح فى حياتى، تلك الفترة التى طُمست فيها كل الأساطير والخيالات وكأننى كنت فيها نائما فاستيقظت على إنتهاكٍ لم استطع حتى أن أرفضه، فقد أقام هاتكو عرض الطبيعة مبانٍ حالت بينى وبين البحر والشمس، حرمتنى حق البكاء لأجل الشمس المسلوبة، حرمتنى من متابعة لحظة إنبثاق الشموس من رحم الأرض، حرمتنى من حلمى بتحرير الشموس من سحر البحر، من حلمى بقتل ذلك التنين الشرير الذى يأكل الشموس.


خرجت إلى الشرفة لأرى مصدر الصوت، إلا أن خروجى إلى الشرفة يأجج فىّ حرارة تلك الذكريات، رأيت السماء تمطر، كان الصوت صوت قبلات حبات المطر لجدران البيت صوت إندماج السماء بالأرض، صوت التكامل.. إن الحديث عن سعادتى يستحيل التعبير عنه فلا أحد من قبل كانت ميتا ثم عادت إليه الروح، ولا حتى أنا إلا أن روحى ما هى إلا تلك الأحلام والأساطير والخيالات وها هى عادت إلى تحملها حبات المطر.دخلت  أرتدي معطفا ثقيل، ثم صففت شعرى وحملت كتابا وقلما وأوراق ومشغل الموسيقى وهاتفى الخلوى، ثم عدت أحتضن السماء من جديد ها هو المطر يتساقط عاريًا أمام المصابيح، كنت أظن أن السماء ماهى إلا بحرًا كبير وهى من أنجبت  البحر، وعندما تمطر، فإن السماء تشتاق إلى ابنها البحر، فتقرر النزول إليه، فتتساقط أجزاء من السماء على هيئة أمطار، ولولا أن الله منعها لأكملت إسقاط باقى أجزائها لتعانق  ابنها. جلست على مقعد خشبى أملت ظهره على جدار الشرفة وأرخيت عنقى إلى الخلف، أدرت مشغل الموسيقى على أغنية المفضلة  Need You Now  ل Lady Antebellum  ربما لأننى فعلا كنت ثملًا لكن لا بفعل الخمر إنما هى النشوة التى تملأ النفس فى حال السعادة المفرطة لكن الأحاسيس البشرية ليست بهذه البساطة حتى تتلخص فى إحساسٍ واحد فقد كان يملؤنى إحساسٌ بالوحدة، إحساس بالحاجة إلى تلك التى عوضتنى عن شموسى المسلوبة، خصوصا أن المطر يحمل لنا الكثير من الذكريات، أذكر لها أسطورتها بشأن البرق

- تعرف أن البرق مكنش بيعمى قبل كده ؟

- معرفش طول عمرهم  يقولوا لنا لا تبص فى السما وقت البرق لا تتعمى ..

- ههههههه تعرف أنى لازم أبص فى السما وقت البرق ..

- أنتِ مجنونة أوعى تعملى كده تانى ..

- هاعمل بس أنت عارف ليه الناس بيتعموا ؟؟

- ليه ؟

- لأن أجمل حاجة فى الدنيا ممكن تشوفها هى البرق .. بيبين عروق السما البيضا .. ويخلى السما تنزف مطر .. عشان كده اللى يشوفه مينفعش يشوف حاجة بعد كده ..

- طب متبوصيش للبرق تانى ..

- أفكر .

هذه هى روحها التى تعرف أن المغامرة إذا لم تغلفها المخاطر، فهى لا تعدو كونها لعبة..  فحياتها رغم أنها لا تمضى منها لحظة إلا بضحكة تهتز لها جدران أذنى، لا تعرف فيها إلا الجد، حتى فى قمة الهزل يكسو الجد ملامحه.


نغمات الأغنية تتصاعد إلى رأسى تتسرب إلى قلبى، ألم نكن - أنا وهى - نسمعها عند الواحدة والربع كل يوم ثم نتبعها بمكالمة نفجر فيها كل الأحلام والأمنيات ؟ كان شيئًا وانتهى، أما الآن فأنت أكبر من تلك الحماقات. عجيب أمر الإنسان ينشد الحرية، يكسر القيود الخارجية وفى داخله قيود لا تتكسر .. ألا يستطيع أن يحرر نفسه من عواطفه، وإن تحرر منها فهل نستطيع أن نطلق عليه لفظة  إنسان؟؟ حينها سيكون أله مجرد أله يطلق عليها مجازًا إنسان. لن أكون أله، لكن لن أرضخ لتلك العواطف. سأترك الأمر كله، وها هى الأغنية تنتهى.


إنها رنة هاتفى .. هى .. ماذا تريد ألم تقل الأيام كلمتها بشأن علاقتنا..

- آلو

- أزيك ؟

- فى حاجة ؟؟

- الدنيا بتمطر حبيت أكلمك بعد ما سمعت الأغنية .

- والمطلوب ؟

- ولا حاجة .. خلاص أنا سمعت صوتك . عايز حاجة ؟

- شكرا مع السلامة .


لا أعرف لماذا عاملتها بتلك القسوة، لكنها هى الأخرى تقسو علىّ، وأى قسوة تلك التى تخرج من صدرها مع رنة صوتها لتتسلل إلى قلبى عبر أذنى، فإذا به يضطرب ويشتعل شوقًا للأيام التى قضينها تحت المطر ووقت الغروب أمام البحر.

 تلقيت رسالة منها لا أعرف سببها أهى طعنة أخرى ترسلها إلى ..هى التى تعرف كيف تعذبنى ..

 "kissin' u softly " love u good night mahmoud N sweet dreams "  مسحتها فى الحال لا أريد ذكريات أخرى. هدأت الأمطار تدريجيا فسجلت قصتى تلك، ورحت أبحث عن ساعتى، مازالت العقارب ثملة عند الواحدة والربع أتمضى فى طريقها، أم تعود؟ لا أدرى سأشترى بطارية جديدة وأرى ..

الاثنين، 14 فبراير 2011

سخافة يدعونها حبًا


عجيب أمر هؤلاء الناس يحتفلون بيوم للحب، لن أتطرق لتاريخ هذا اليوم، فالأساطير متعددة وسخيفة ولا تعنى لنا شىء على الإطلاق، والرد العام عادة عليها يكون نحن لا نحتفل من أجل هذا إنما احتفالنا من أجل الحب.. وهنا تتبلور المأساة أن يصبح للحب يوما .. فاليوم أحبك أكثر وغدا ربما سأحبك أقل، اليوم سأعبر لك عن حبى وغدا لن يصبح ذلك مهمًا فقد أحتفلنا بالأمس .. يالها من طعنة يوجهها المحبون أو فلنقل مدعى الحب إلى الحب .. ذلك الإحساس الذى يحول الأيام كلها أعياد وتصبح الأصوات والكلمات حتى سخيفها ورديئها أغنيات و وتحال به الدنيا كلها إلى جنة، وقد يعتبر البعض أن ما يلاقوه من صعاب وعثرات فى الحب هو النار، وأقول لهم هل كان خلق الجنة يعنى شيئا إذا لم تُخلق النار؟ فاللذة والألم ظاهرهما متناقضان لكنهما متلازمان. بيدك أنت أن تجعل من الألم لذة وأن تبقى على اللذة حتى لا تحال إلى ألم ولن تقدر على ذلك بغير الحب. فالحب كالعصا السحرية تضرب هنا فيصير ألماظًا وذهبًا.وإن لم يكن حقيقيًا فيكفيك أنك تراه كذلك ولا شأن لك بنظرات من حولك. وقد تضرب هناك فتصير نارا تحرقك أنت ومن تحب وربما مع إضطرام النار ينطفىء الحب فيصير هشيما تذروه الرياح إلى صندوق الذكريات العتيق. هكذا الحب قد يصنع منك عنترا يصنع المعجزات أو قيسا مجنونًا يبكى على ليلاه. إن كنت حقا محبا فلست بحاجة لعيد عم فالنتين. فالحب لا أيام له الحب عمر لا يتجزأ، طريق بلا محطات إستراحة. فانطلق ما شاء الله لك.

الأمر الأخر المضحك المبكى هو اللون الأحمر لا أعرف علاقة الأحمر بالحب ربما لأن اللون الأحمر يعطى إحساسا بالدفء؟؟ ربما لأنه يدل على الإشتياق والإحتراق؟؟ وهل الحب ينحصر فى دفءٍ وإشتياق؟؟ هل الحب فقط دفءٌ واحتراق؟؟ إن كان كذلك فما ذلك الإحساس الذى يتملكنى حين أفترش الرمال وألتحف السماء وتمتزج الألوان ما بين الأزرق والأبيض والأصفر والأحمر وأرى وجه حبيبة لا أعرفها لكننى أحسها ويغمرنى حبها فى رائحة تحملها إلى نسمات البحر، فى دفء شعاع يداعب عينىّ، فى  برد رمال تلامس أطرافى، فى همسات الموج المتتابعة فى لحنها الأبدى. كل هذه الألوان والأصوات والحركات كيف تختزل فى لون واحد؟؟ لا أدرى إذا عن ماذا يعبرون بلونهم الأحمر أعن الحب؟ لا أظن.. إنها سخافة يدعونها حبًا. 



محمود يوسف 
14\2\2011

الأحد، 2 يناير 2011

عاشق طيف

خلف الستار الذهبى لنافذتها المستطيلة بدى ظلها معتما كالليل حارقا كلهب الشمس ، تداعبه أشعة عاشقة متدفقة من مصباح ساهر .. هى .. أعرفها بكل تفاصيلها .. جسدها السيمفونى البديع بحركاته الثلاثة بلغته الإيطالية الموسيقية حركته الأولى   
allegro cn brio
 تمتزج بشعرها الماجن المتلون بلون الظلام كالموج آنا غادر وآنا حنون، وتنصب فى عينيها الداعرتين البراقتين حتى فى الظلام ..
والثانية
andante maestoso
تستريح فوق كتفيها تتساقط فوق صدرها حيث يكمن الدفء،
لتأتى الخاتمة
allegro molto vivace
لتتدفق مع خصرها نحو نهر النار .

ومع معزوفتها الأسطورية حملنى عقلى إلى ذكريات غرفتها إلى الجدران التى شهدت عزفى المنفرد على أوتارها .. كنت المايسترو المتحكم فى الأوركسترا بأكمله .. كنت الريح التى تحمل أمواجها من نهرها النارى إلى شعرها الغادر الحنون ، كنت ذلك التدفق الذى يحمل النار من مكمنها ليلقيها فى صدرها .. لم يكن فى غرفتها مصباح كنت أغمرها بأشعة من العشق تتدفق إلى أنسجتها الشفافة لتمتزج بروحها العصية فتصير رقيقة كقطرات الماء فى حر الصيف ..

كنت غائبا منذ زمن بعيد فى مكان لا أحسبه فى الدنيا كان موتا مؤقتا أو كبوسا لعينا خطفنى من طيفها . أتصلت بجار لها كنت أعرفه ذهبت لمقابلته عند بيتها فلاح لى ظلها خلف الستار .. أنطلقت الحياة فى جسدى كما تنتلق الكهرباء فى مصباحها فيغمرها بأشعته .. أحتاج لأن اغمرها بأشعتى .. إن فاجأتها قد تسرها رؤيتى هكذا علمنى أوفيد .. لكن  صديقى هو من فاجأنى حين ربت على كتفى  .. وبعد وابل من الحديث عديم المعنى عن الحال والأحوال سألته عنها ..
- هى عاملة أيه ؟
- هى مين ؟
- هتكون مين يعنى !
- آآآه .. أنت متعرفش ؟!
- لأ معرفش .. أتخطبت ؟! أتجوزت ؟!
- دى سافرت فاجأة من كام شهر هى وعائلتها  ومحدش يعرف هى فين .
- أمال مين ... ونظرت لنافذتها فإذا هى مظلمة معتمة كالليل حارقة كلهب الشمس ..
 

محمود يوسف
29\12\2010

بداياتى مع النزف ج2 .. أفروديت ( قصة قصيرة )

ما أسوء أن يكذب عليك إنسان ! وما أفظع أن يكذب عليك عالمك الذى تعيش فيه .. عالمك الذى تدركه بحواسك .. عالمك الذى ارتبط بعواطفك وأفكارك .. ماذا يحدث لو وجدته وقد اكتسى بلون قاتم غير محدد .. لون يجعل الأشياء غريبة .. ليس هذا عالمى الذى أعرفه .. أنا خائف .. لا أعرف كيف أصف حالتى .. كل شىء يبدو مزيفًا غير حقيقى .. الناس الأماكن الكلمات المعانى الأفكار المشاعر ..

أصحو من النوم .. هذا بيتى أذكره، ولكنى غريب عنه .. أنظر إلى صديقى أندهش من هذا الإنسان ؟ صديقى ! ماذا يعنى صديقى ؟ حب وعشرة ! هذا الشخص بينى وبينه حب ؟! هذا الشخص أعرفه ؟ عيناى تؤكدان هذا وذاكرتى تسعفنى بكل لحظات العمر معه .. لكن كيف ؟ هذا غير حقيقى .. يبدو غريبًا عنى .. يجلس أمامى لكنه بعيد جدا تفصلنى عنه بلاد .. ما هذا الود الذى يحدثنى به ؟ كلامه يثبت أن بيننا صلة ولكنى أندهش لكلامه .. كل شىء أصبح غامضًا غريبًا غير حقيقى .

الآن أدرك كيف تمضى سنين العمر بلا معنى ، أن أعيش غريبا ، أن أحرم من الأقتراب والتواصل ، أن أعيش شتاء دائمًا يحيط به الزمهرير .. زمهرير الفكر والوجدان .. أبحث عن الدفء فأسقط فى كومة من الثليج .. أفقد معانى الحياة واحدا تلو الآخر .. أفقد الحب والألفة والسعادة .. كيف أحب وكل من حولى غرباء ، كيف تكون الألفة وأنا لا أعرف أحدا ، كيف أكون سعيدا فى هذه الوحدة .. ما أبأس الإنسان وحيدا .. ما أشد حاجته لتعاطف الناس .. إنها الألفة حتى مع الجماد التى تحقق للإنسان معنى لوجوده .. لابد أن أذهب لطبيب نفسى أنا أتألم .. أشعر وكأن بركانا من النار ينفجر فى رأسى رغم البرد الذى يتملكنى .. خائف أرتعد .. لا شىء يثبت أنى حى .. هذا يعنى أنى ميت ..

***********************************

حالتك يطلق عليها "إختلال الواقع" .. واقعنا يا صديقى لا ندركه كما تظن بحواسنا .. عالمنا ندركه بقلوبنا بمشاعرنا .. العاطفة التى تنشأ بيننا وبين كل ما يحيط بنا من بشر ونبات وحيوان وجماد .. يتشكل الواقع فى مخنا من خلال الحواس ، بعد ذلك ينتهى دورها ونصبح مشدودين لهذا الواقع بوجداننا .. حبال متينة تربطنا بالواقع .. نتحرك ونجرى ونطير مادامت هذه الحبال موصولة ، فإذا تقطعت أحسسنا بالضياع .. غربة تشعل الخوف .. ما أسوأه من إحساس .. كلمات بلا معنى ، لمسات بلا إحساس ، طعام بلا مذاق ، لا رائحة سوى رائحة الأغتراب .
لا يوجد علاج ثابت لكل حالات "إختلال الواقع" يختلف العلاج باختلاف السبب .. فافتح لى قلبك حتى تستريح .. تكلم ..
- هل كنت مصابا بالصرع ؟
- لا .
- الإكتئاب ؟
- لا أعتقد .
- لماذا ؟
- كنت أضحك دائما .. وأرى الحياة جميلة .
-هل تعرضت لإجهاد جسدى شديد ؟
-لا .
-ضغوط نفسية ؟ مفاجآت قاسية ؟
- لا أعرف .
-تشعر بالفشل ؟
-نعم .
-تعرف لماذا ؟
-لا أظن .
- عملك ؟
- طالب .
- تقيمك الدراسى ؟
- ترتيبى الثانى هذا العام .
- هل رحل شخص عزيز عليك ؟
- نعم .
- من ؟
-حبيبتى .
-كيف رحلت .
- لا أدرى .
- تحدث عنها .
*******************************************
أحببتها فى الليل .. الليل يعنى ظلام .. الظلام وحدة .. لم أشعر بالوحدة .. كانت تكسر الظلام . كانت قمرا ؟ لا أظن، كان ضوءها هى ، لم تكن تعكس ضوء الشمس .. كانت نجمة ؟ لا أظن، كانت جميلة ولكنها لم تكن بعيدة ، كانت تكمن بداخلى و كنت أكمن بداخلها .

أحببتها فى النهار .. النهار يعنى ضجيجا .. الضجيج ضياع رغم ضوء الشمس .. لم أضع ، وجدت طريقى ، لم أسمع سوى همساتها من بين الضجيج .. كانت قيثارة عزفت على أوتارها ، كان صوتها يهدم الأسوار يحطم القيود .. يتعب فيستريح فى قلبى .. عزفنا سيمفونية الحب ، ظننا أنها أبدية .

اضطربت يدى ، أختلت النغمات . لا يوجد صراخ فى سيمفونيتنا .. قسوت فى العزف على القيثارة كانت تصرخ ، ظننت أنها نغمات العشق ، لم أشعر إلا بعد أن مزقت أوتارها بيدى ، لم تعد قيثارتى تغنى .. حتى بكاؤها صار أبكما .. وأنا .. أنا من مزق الأوتار .. كنت أعزف ولا أحب أن يسمعها غيرى .. رحلت عن جوقتى ولم يكن لى فيها غيرها .. صرت وحيدا .. كانت الصدمة قوية لم أتخيل حياتى بدون القيثارة .. الحياة بدون موسيقى تعنى الموت .. كنت أحلم بالموت على نغماتها .. لم أتوقع أن الموت سيأتى فى صمت كما هو الآن ..

- إذا كنت تتعذب هكذا فلمَ مزقت أوتارها ؟

- طغى عليها الجمال .. كان لونها كلون الثلج .. إذا النهار كان وكانت هى فلا معنى لوجود الشمس .. وإن كان الليل وكانت هى فلا فائدة من القمر و النجوم . عين سوداء حارقة وشعر أسود كموج البحر .. أتذكر أننى غرقت فيه يوما فمدت إلي يدها ، تمنيت حينها أن أظل غريقا .. جسد ملائكى خُلق لها وحدها ، أعرفه جيدا . من بين نساء العالم كان الدفء يرتاح معها .. كانت أفروديت إله الحب والجمال ولم أكن بالنسبة لها أكثر من إله للكلمة .. أمنحها كلمات ، أحبت كلماتى ، لا شىء سوى كلمات .. تجاهلت قبلاتى سخرت منها .. أول مرة قبّلتها كنت مضطربًا ، غَضَبتْ ، أحاطت روحها بأسوار وأماتتنى ليومين ، لم يولد بعد من يسرق من أفروديت قبلة لم تعطيها هى له . أفروديت من ملكت آلهة اليونان .. من عذبت زيوس فزوجها لهيفاستوس .. يأتى مثلى من لا يملك سوى كلمات و يسرق منها قبلة .. ربما ما غضبت لو لم أضطرب ولكن كيف لا أضطرب ؟ يكفى مواجهة النيران فى عينيها .. تكفى حرارة الاقتراب .. سمعت أن أرس إله الحرب كان يحبها وهى كانت تحبه .. أمتزجا .. اشتعل الحب بينهما فكان إروس إله الحب الصغير .. كنت أتعذب حين أسمع هذه الحكاية .. لهذا قسوت على القيثارة .

- هل تظن أنها ستعود ؟

- تعود ؟! لم تلتئم جراح أوتارها حتى تعود ..

- هل حاولت أن تعيدها ؟

- لم أتوقف عن المحاولة ، حتى بعد أن اختل عقلى وفقدت العالم من حولى مازلت أحاول .

قبل أنا آتى إليك كنت تحت شرفتها .. أتأمل الأسوار التى تحول بيننا .. لا أتخيل أن بيننا أمتار قليلة ولا أستطيع الوصول إليها .. أتذكر أيام كانت تفصل بينى وبينها بلاد .. ولكنها كانت تسكن داخلى .. مهما كانت المسافة فأرواحنا متصلة .. أما الآن ....

قالت لى لم أعد أحبك .. ولن احبك .. لا تحاول إرجاعى لن أعود .. أبتعد عنى حتى لا أكرهك .

ومن هنا بدأت أفقد الحياة تدريجيًا ..

سكت الطبيب وغرق فى فكر عميق .. أنتظرُ مندهشا كيف تكلمت ؟ ومن هذا الذى تكلمت معه ؟ ما علاقته بى ؟

- لا بد أن تتفاعل مع الناس لتنسى .

- أنسى ؟

- نعم تنسى وتحب من جديد .

- وأحب من جديد ! جيد .. وهل عندك دواء مُنسى أو مزيل للحب القديم ؟ أريد أن أزيلها من روحى وجسدى .. أريد أن أزيلها من الكتب دون أن تفقد الكتب المعنى الذي أعطته هى لها . أريد أن أزيلها من أحلامى من فراشى من الليل من النهار .. أريد أن أزيلها من البحر من الرمل من السماء من النجوم من القمر .

- جيد .. تحب القراءة ؟

- نعم .

-تمانع فى الإنضمام إلى حلقات قراءة جماعية ؟

- لا أمانع .

- موعدنا غدا .. سأنتظرك .. تأخذ هذا الدواء وتستريح إلى أن أراك غدا .

- إن شاء الله .
*****************************

تمتزج الحقيقة بالخيال .. نغرق باليقظة فى بحر من الأحلام .. تغيب التفاصيل لكنها لا تمحى الذكريات .. نظل محبوسين فى سجن الماضى .. تعذبنا أسواط من الأحداث المريرة .. يمتليء عقلنا بالهواجس .

أهرع من مكان لمكان ، أدقق النظر أرهف السمع .. قال الطبيب تحتاج إلى يد تشعر بدفئها .. يد توصل لك الإحساس بالحياة .. أشعر بعطش الأرض الجدباء للمطر .. أفتقد الإحساس بالألفة .. أحس و كأن كل شىء ينكرنى ..
ذهبت لحلقة القراءة التى أعدها الطبيب ، بدى أسلوب الطبيب فى العلاج غبيا ، حاولت أن أبعد عن ذهنى فكرة أن هذه الحلقة مرحلة من مراحل العلاج .

بدى وكأنه يعرض علي أن أختار من المُنضمّين للحلقة شخصا يعيد لى الإحساس بالحياة .. هذا يصلح كأب ، هذه تصلح كأم ، وهذا كأخ ، وهذا كابن .. لا أظن أن هذا ما أحتاجه .. هناك فتاه ربما أراد الطبيب أن يهديها لى ولكنه أختار أن يضعها فى المجموعة حتى لا تكون هدية صريحة وأرفضها .. ربما تكون مريضة ربما استأجرها ربما تحتاج إلى الحب كلها أحتمالات لكنها تؤدى إلى طريق واحد .. طبيب غبى مازال مقتنعا أنى سأنسى أفروديت ..

بدأت حلقة القراءة ، كانت قراءة شعرية .. الشعر هو لسان الموسيقى .. الموسيقى حياة .. فقدت الإحساس بالموسيقى كما فقدت الإحساس بالحياة بعد أن مزقت أوتار القيثارة ، لن يفيد الشعر .. وكيف يحل التراب محل النجوم ؟!

قرأت الفتاة ، انسابت الكلمات من بين شفتيها كما تنساب المياه فى الجداول .. عيناها فيهما دفء لكنه ليس بحرارة الدفء الكامن فى أحداق أفروديت .. فى عينيْ أفروديت كانت تسكن الشمس .
استمرت الفتاة فى القراءة ، كلمات الحب تخرج كاستغاثات ، نظراتها تأكل وجهى .. لا أشعر بشىء .. لكننى أعرف .. أعرف جيدا .. هى جميلة .. ستكون يوما ما كارمن .. ستكون ملدريد .. سأكتشف خيانتها كما اكتشف همام خيانة سارة .. وربما أنا من يعد لها خطة خيانتها كما فعل سالم عبيد مع زينب .. لكننى لن أسمح لها أن تطعنى .. سأقتلها ..

أقتلها ؟! القتل هو الطريق الوحيدة التى أصل بها إلى الحقيقة .. لا بد أن أرى الموت أمام عينى حتى أمتلك إحساس الحياة .. إن رأيتها ميتة فسأشعر أننى حي ..

لكن ما ذنبها حتى أقتلها ؟ جميلة ؟ أكان الجمال ذنبا ؟ لمَ لا أقتل أفروديت ؟ أفروديت إله ربما إن حاولت قتلها سحرتنى أو مسختنى زهرة ذابلة تطؤها الأقدام أو حولتنى قيثارة كى تمزق أوتارى .. أفروديت لن تموت .. ستحيا فى عيون كل الجميلات .. أفروديت هى الخيانة تجرى فى دماء كل النساء .. لا بد أن أقتل هذه الفتاة قبل أن تخوننى وتنتصر أفروديت ..
********************************************************
موتها يعنى الحياة بالنسبة لى .. لكن كيف وأين سأولد من جديد ؟

السكين سيشبع رغبتى .. سأشعر بالسعادة عندما أقترب من الموت وأتحسسه بيدى .. سأغرس السكين فى قلبها .. سر الحياة يكمن فى القلب ؛ سأنتزعه وأنتقم .. سأدعوها لتأتى معى إلى البحر .. فى البحر كل شىء يتعرى .. السماء المياه الرمال حتى الأشخاص يتحولون إلى نفوس عارية .. لن ترفض أعرفها من عينها تحب الحياة . الحياة تجارب لن تضيع فرصة تحيا فيها .

أنتظرتها وعدتنى بالمجىء ، كل شىء معرى لا غطاء سوى البرد .. جاءت .. جميلة لا مراء، كالشهد المصفى، ذراعاها عاريان، لا تحب القيود لولا عيون الرجال السارقة لما أحاطت جمالها بهذه الأسوار ..لم تكن تلك الأسوار لتعزل عنى شيئا من جمالها ، فأنا أعرف كل تفاصيلها .

تقدمت ، أقتربت منى ، حيّتنى بقبلة .. نكهة قبلتها طغت على نكهة أفروديت .. أهو الشوق إلى التقبيل ما جعلنى أشعر بهذا ؟ كيف لقبلة أن تطغى على قبلة أفروديت ؟ أفروديت هى من علمتهم فن الحب و القبل .

لن انخدع بهذه القبلة الكاذبة .. سأخرج السكين وأقتلها .. لن أضعف .

أخفيت السكين وراء ظهرى .. أحاطت عنقى بذراعيها ، تلاحمت الشفاه ، يتلاشى البرد من حرارة الأقتراب ، يرتفع صوت الأمواج ، يبتلع البحر قرص الشمس ، يسقط السكين ويغرق فى الرمال .. أصبحنا شخصا واحدا .. رغبة واحدة .. جنونا واحدا .. لم تعد قبلاتها تكذب .. لم أعد غريبا بعد لحظة الصدق الأعظم ، أعرفها الآن جيدا أشعر بها ، هى حبيبتى الجديدة ، لم تعد غريبة ، السماء والقمر والنجوم والبحر والبيت وصديقى أعرفهم جميعا ليسوا غرباء .. أنا حى .. لكن ما هذه الدماء التى تغطى الرمال ؟ أين السكين ؟ أفروديت ؟! نعم أفروديت قتلتها أنا وحبيبتى .. قتلتها بعد أن تخلصت من قيودها بعد أن عادت لى الحياة .. قتلتها وانتقمت لموتى ولزيوس ولهيفاستوس .. رحلت أفروديت بلا رجعة ورحل الموت إلى لقاء قريب .

تمت

بداياتى مع النزف ج1 ... الغمامة والريح (قصة قصيرة)

رَأَتْ غَمَامَةٌ ذَاتَ يَوْمٍ طَائِرًا ،امْتَطَى الرًّيحَ ، وأَخَذَ يغردُ ، وكأنَّه مَلَكَ الدُّنيا بينَ جَنَاحَيْهِ ، أَعْجَبَتْ الغَمَامَةَ حُريّةُ الطَّائِرِ وسَعَادتُه ، وتَمنّت أن تحظى بجَنَاحَين لتنطلقَ فى السَّمَاءِ مثله .

لمْ يكنْ هُناك -فى السَّمَاءِ- من يهتمُ بالغَمَامةِ سوى الرِّيح ، وقد لاحَظَ افتتانَها بالطّائرِ ، فاقتَرَبَ مِنها ليُقدمَ عَرْضَه ويستصحبها وقال:
- ومَنْ يجعلُكِ تسبقينه ؟!
الْتَفَتَت الغَمَامة إلى مصدرِ الصوتِ فوَجَدَت الرِّيحَ وقدْ كَاد أن يتخلّلَها . كانت تعلمُ رغبةً الريحِ فى اصطحابِها فالْتَفَتَتْ عنه لتبدىَ عدم اهتمامِها بالعَرْضِ وقالت :
- سيظل معى دائمًا .. ولن أهرب منه أبدًا .
- فلنبدأ رحلتنا .

حَمَلَ الرِّيحُ الغَمَامَةَ بعدَ أن شكَّلَها على هيئةِ الطيرِ وانطَلَقَ بها بينَ الطيورِ والغَمَامَات صديقاتِها وأحسَت الحُريّةَ التى لطالما كانت تنشدُها . وتغيرَ الريحُ فلمْ يعُدْ مثلما كان عنيفًا يكرهُ الطيرَ ويجلدُه بأسواطِه .

وذاتَ ليلةٍ تحدثا سويًا عن النجومِ وكانتْ تظنُ الغَمَامَةُ أن كلَ مَاْ عَلا أو لَمَعَ نَجمٌ ، فصَعَدَ الرِّيحُ بالغَمَامَةِ قاصدًا نجمًا وقَالَ:
- ليس كلُ مَاْ عَلا أو لَمَعَ نجمًا ؛ فقد يعلو الغُبَارُ وقد تلمعُ المياهُ فى البرَكِ .

وأمسَكَ بها ووضَعَها فى مواجهةِ ضوءِ النجمِ وأَخَذَ يتأملُها كما يتأملُ الأبُ ابنتَه فى ليلةِ زفافِها، ففَقَدَ النجمُ لمعانَه وقَالَ الرِّيحُ وهو يبتسمُ ابتسامةَ انتصارٍ:
- ما استَحقَ أن يكونَ نجمًا الذى يفقدُ لمعانَه بينَ الغمامِ .
واستَمرَ الرِّيحُ فى رحلتِه صعودًا ، فاستوقفته الغَمَامَةُ لتسألَه :
- إلى أينْ تأخذُنى ؟
- إلى مَاْ فوقَ النجومِ . أريدُك أن تعلى فوقَهم لتُريهم كيفَ تكونُ النجومُ .
- لا أريدُ الصعودَ فوقَ النجومِ .. فالطيرُ لا يعلو فوقَها وهو -معَ ذلك- يحجبُ لمعانَ النجومِ ويسودُ السماءَ بجَنَاحيه .

- لا تجعلى الطيرَ أقصى طموحك .تستطيعين أن تعلى فوقَه .
- لا أريدُ أن أعلوَ أكثرَ.. توقفْ!
لم يستجبْ الريحُ واستمرُ فى الصعودِ ،ولم تشهدْ السَّمَاءُ هيئةً مثل التى كانت عليها الغَمَامَة ؛فقد كانتْ كصقرٍ عظيمٍ دَفَعَ الأرضَ بجَنَاحيه فدَفَعَته، ولا شيءَ قادرٌ على إيقافِه .
لم يعجبُ الغَمَامَة مَاْ كَانَ من الرِّيحِ وأحستْ أنّهُ سَلَبَها حُريّتَها وأنها لم تعُدْ حرة . فلمْ تفكرْ واتّخذتْ قرار التحرُرِ من قيودِ الريحِ ، تلكَ القيودُ التىْ يومًا قد مَنَحَتها حُريّتها، تِلْك القُيُودُ التىْ أرَادتْ أن ترفعَها إلى مَاْ فوقَ النُجُومِ.

هَرَبَتْ الغَمَامَةُ من الرّيحِ، وبمُجرّدِ أن خَرَجَتْ من كيانِه فَقَدَت هيئةَ الطيرِ التىْ ميّزتها وجلبت إليها الأنظارَ، وصارتْ شكلاً لا معنى له.

سَقَطَت مقتربةً من الأرضِ ومَاْ أبشعَها منطقةً قد سَقَطَت بها، فتجمّعت حولَها رياحُ المنطقةِ جميعًا، ولمْ ليسلبوا منها حُريّتَها فقطْ بلْ سُلِبَتْ معها ذَاتُها، ولمْ يستطعْ ريحُها أن يُخلّصَها من أيديهم، ومَاْ هى إلا دَقائِقُ حتّى انْتَهَتْ الغَمَامَةُ، ولَمْ يَتَبَقَ منها إلا غُبَارٌ عَلا وقطراتُ مَاءٍ لَمَعَتْ فى بِركَةٍ كاللذَيْن كَانَتْ تظنُهما نُجُومًا .